بسم الله، والحمد لله.

حينما يريد الإنسان الحديث عن الوَقْف تخطر بباله تلك الأوقاف التي دامت مئات السنين، ريعها لم ينقطع عن المحتاج الحي، وأجرها لم ينقطع عن الموقِف في قبره، ومن تلك الأوقاف الخالدة وَقْف عثمان رضي الله عنه لتلك الدار بجوار الحرم المكي؛ حيث ثُمنت وأدخلت في مشروع جبل عمر، وأصبح الواقف من ضمن المؤسسين رسميًّا لهذا المشروع المبارك، فبارك الله وأدام.

ومن تلك الأوقاف الخالدة وهي كثيرة وقف بني النجار؛ حيث وقفوا أرضهم لبناء مسجد قباء، فعندما قدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي))، فَقَالُوا: “لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى الله”؛ رواه الشيخان.

فالناظر إلى هذين المثالين سيأخذ لُبَّه عِظَمُ الأجر المستمر، وعِظَمُ الفضل المعطاء، فكم من المحتاجين والمعوزين، وكم من المصلين والتالين الذين استفادوا لأكثر من أربعةَ عشرَ قرنًا، ولا يزال كذلك إلى ما يشاء الله تعالى، لا يُحصي أجورَهم إلا اللهُ، وهذه من بركات الوَقْف.

وقد زاد من اهتمام المسلمين بالأوقاف أثرها الدائم وأجرها المتواصل؛ فقد ورد الأثر عن زيد بن ثابت قال: “لم نر خيرًا لميت ولا لحي من هذه الحُبُس الموقوفة، أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتنحبس عليه ولا تذهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها”.

وسِرُّ الوَقْف وميزته في استدامته، وهذا ما يجعل دراسة أوضاع الأوقاف مهمةً عظيمةً، فالمتأمِّل لحال الأوقاف وتعطُّل أو ضعف بعضها لا سيَّما بعد الجيل الأول للنَّظَّارة؛ يؤمن بأهمية التفكير في صيغ أخرى غير تلك الصيغ التقليديَّة.

ومن هنا يأتي الحديث حول الشركات الوقفية، ما المقصود بها؟ وما هي أبرز مزاياها؟ وهل يمكن تسجيلها نظاميًّا؟ وما يندرج تحت هذا الموضوع من تساؤلات.

فالمراد بالشركة الوقفية: هي أن تدار أصول الوقف بطريقة الشركات التجارية، ويكون ذلك بعد أن يستصدر الموقِف السجل التجاري بِناءً على صك الوقفية وفقًا للأنظمة التجارية.

فالوقف المتمثِّل في شركة تجارية يزيد من فرص نماء الوقف؛ من حيث قابليَّته للتحريك والتداوُل، وسيزيد كذلك من فرص استثماره؛ وذلك بتمكينه من دخول المناقصات والمشاريع الكبيرة، والحصول على التمويلات، مما يعود في النهاية إلى نماء الغلة.

والشركات الوقفية عامل قويٌّ في ديمومة الوقف وزيادة عمره الإنتاجي والاستثماري؛ وذلك لارتباطها بالتسجيل التجاري واشتهارها أمام الناس وتوسيع دائرة المستفيدين من أصولها، وكذلك ستعطي مجلس النَّظَّارة حريةً أوسع في التصرُّف في أصول الوقف بما يتوافق مع شرط الواقف وبما فيه مصلحة الوقف بعيدًا عن كثير من الإجراءات التي تتطلَّبها الأوقاف التقليدية، فمن خلال ممارسات الشركات الوقفية اللانهائية والإجرائية في القطاعات المختلفة سواء القضائية أو المالية أو التجارية، فإنه لا قيود تذكر كالتي تُفرَض على الأوقاف التقليدية، وذلك أن التعامل مع الشركات الوقفية تجاريًّا وقضائيًّا وماليًّا، يقوم في الأساس على أنها نوعٌ من الشركات المحكومة بنظام الشركات ولوائحها.

إن من أبرز ما يُميِّز الشركات الوقفية كونها خاضعةً لنظام الشركات السعودي، وهذا مفيد من حيث وجود مظلَّة نظامية رصينة تراقب أعمال الوقف، ويتم الاحتكام إليها، وكذلك مفيدٌ في الشفافية وصلاحيات المدير، والحوكمة والإفصاحات المحاسبية، وهذا مما يعين في ضبط ممارسات المدير والنُّظَّار لتكون تحت متابعة النظام.

ولن يضُرَّ الوقف تحويله إلى شركة، وذلك أن صك الوقفية هو النظام الحاكم على عقد تأسيس الشركة أو النظام الأساسي لها، فلا يصحُّ أن يُصاغ فيهما ما يخالف شرط الواقف، وسيكون النُّظَّار على الوَقْف هم أعضاء مجلس الإدارة بالنسبة لشركة المساهمة أو أعضاء الجمعية العمومية بالنسبة للشركة ذات المسئولية المحدودة، بالتالي هم من سيُراقب أداء الشركة وسيرسم خططها، ومما يجدر التنبيه إليه هنا أهمية فصل الجهة الإدارية عن الجهة التنفيذية فيكون دور النُّظَّار دورًا رقابيًّا إشرافيًّا وليس تنفيذيًّا، وهذا هو جوهر الحوكمة المرجوَّة في الشركات الوقفية وهو ما يُحقِّق القضاء على أي مصالح خاصة أو فردية تتعارض مع مصلحة الوقف أو مع شرط الواقف.

ويوجد العديد من الأمثلة الرائدة والواقعية لهذا النوع من الأوقاف تُدار باحترافية عالية، وتُسهِم في إيجاد الوظائف لأبناء الوطن فضلًا عن مصرف الوقف الأساسي وما يُحقِّقه الوقف من مصارف تنمويَّة وما يُنجزه من مشروعات إستراتيجية تصبُّ في مصلحة الأفراد والمجتمع بشكل عام، ولا يلزم من إنشاء الشركات الوقفية أن تكون الشركة بكاملها وقفًا، فكما يحقُّ للمُوقِف أن يُوقِفَ جزءًا من عقاره على الشيوع أو التخصيص، فإنه بإمكان الموقِف أن يُوقِف جزءًا مُشاعًا من شركته يُحدِّد مصارفه واستغلاله، وهو إجراءٌ مُتاحٌ نظامًا ومتوافِقٌ مع أحكام الوَقْف في الشريعة الإسلامية، وقد ورد ما يُؤيِّد ذلك في المعيار الشرعي بشأن الوَقْف الصادر عن الهيئة الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ونصُّه: “يجوز وَقْف المشاع سواء أكان قابلًا للقسمة أم غير قابل لها، ويمكن أن يؤجر المشاع كله من غير الأسهم والصكوك، ويكون للوَقْف حصَّته من الأجرة، أو أن تؤجر الحصَّة الموقوفة وتستغل المنافع بالمهايأة المكانية أو الزمانية، ويكون للمستحقين الريع الخاص بحصة الوقف”؛ ينظر: المعايير الشرعية، المعيار (33)، الفقرة 1/ 4/ 4/ 3.

ويأتي التسجيل النظامي لهذا النوع من الأوقاف في المملكة العربية السعودية بشكل إجرائي سلس وفق خطوات أهمها ما يلي:

1- تحديد الأصل المراد وقفه، مع إثبات ملكيته، وتحديد مصارفه، وتسمية نُظَّاره، ولا يشترط في أصل الوَقْف أن يكون عقارًا، فقد يكون من المنقولات أو الأموال.

2- النص على حق الوَقْف في تأسيس كِيانات من مؤسسات وشركات تكون مملوكة للوَقْف بالكامل، أو الاشتراك مع الغير في تأسيس تلك الكِيانات، مبينًا أحكامه وشروطه.

3- إثبات ذلك شرعًا لدى محكمة الأحوال الشخصية، واستصدار صكٍّ للوَقْف.

4- إحضار صك الوقفية إلى مقرِّ وزارة التجارة، واستصدار سجل تجاري بمؤسسة وقفية تجارية.

5- يدوَّن اسم المدير للمؤسسة وهو الناظر، ويتمكَّن الناظر من خلال السجل من فتح حساب بنكي للمؤسسة الوقفية، والتسجيل لدى وزارة العمل لاستقدام العمالة وتوظيف ما تحتاجه المؤسسة من كوادر، وغيرها من إجراءات.

6- بعد ذلك تُودَع الأموال في حسابها، وتنقل بقية العقارات الموقوفة، وتشتري المؤسسة ما يخدم غرضها من عقارات ومنقولات، ويكون للنُّظَّار الحرية في حدود شرط الواقف في الاستثمار بما يُحقِّق المصلحة.

7- ويمكن تحويل تلك المؤسسة إلى شركة شخص واحد وفق نظام الشركات مادة (154)، ويصدر من وزارة التجارة والصناعة قرارٌ بالموافقة على تأسيس الشركة الوقفية، وهو الأفضل من حيث المحافظة على استمرار النشاط والمحافظة على الكادر الوظيفي وباعتبارها شركة لها ذمة مالية مستقلَّة عن مؤسسها، فلا تلحق ديونها الاستثمارية بمؤسسها الذي هو أصل الوقف المنصوص عليه في صك الوقفية.

8- تعتبر الشركة الوقفية حينها شركة ذات شخصية اعتبارية منفردة بذمَّة مالية مستقلة، ولها في ذلك أن تُنْشئ شركات متخصصة في الاستثمار في مجالات محددة أو أن تتملَّك حصصًا معينة في شركات تجارية قائمة، وكل ذلك وفق شرط الواقف وبما هو محدد في صك الوقفية، ولها أيضًا أن تنشئ شركات تكون أوعية لحفظ أموال الوقف من عقارات أو منقولات.

محمد بن عبدالرحمن المشيلح

محامٍ ومستشار قانوني

مقالاتنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

×